الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

6 دقيقة وقت القراءة ( 1242 كلمة )

المتمردة / مصطفى حمزة

في الليل يتجلّى جمال الكون وتظهر الاشياء على حقيقتها ، حتى المشاعر التي يبدو أنها تنكمش تحت ضوء الشمس نهاراً فتعاود الظهور في الليل خلسةً . 

الاعتياديون يمقتون الليل ويصفون من يجالسه بالانسان الفارغ وعديم المسؤولية ، ولكن حقيقة الأمر أن الليل مُصَممَّ لمن يعاني من وحدة الذات وضياع الغاية . في الصيف تكون الليالي أشبه بالحلم اللطيف الذي تريد اكماله حتى وإن كان من ابداعك الخاص ، سيما وقد استيقظت على صوت صرخات الأطفال  ، أو مرور صاحب عربة تعبئة غاز الطبخ . وفي الشتاء لا يكون الليل الا معزوفةً كلاسيكية تصل أوج عظمتها وقت الفجر . 

تضع فاطمة بنت العشرين ، القلم جانباً ، وتحاول النوم مع بدايات الصباح ، كانت تهوى الموسيقى والرسم ، ورقصة التانغو ، وكتابة الخواطر القصيرة ، اضافة الى ولعها بالسينما . هي لا تريد إلا  أن تكون امرأة حرَّة في زمنٍ تُعاملُ الحرية فيه على أنها جريمة شرف ، حيث لا مفرَّ لصوتها العورة ، وشعرها الأشقر ، الذي يُعد بوابة من بوابات جهنمز. تُرى لماذا أحبت الليل هكذا ؟ تساءلتُ مع نفسي كثيراً ، ولكنني أرجحت السبب الى هدوء الليل فحسب . لم أكن أعلم أن الانسان قد يعاني من هويته الحقيقية كأنسان ، عليك أن تكون وحشاً لكي تكمل الطريق ، هذا الوحش الذي تصنعه زحمة الطرق صباحاً ، والمشادات الكلامية بين سائقي الباصات التي تتضمن كل أنواع الشتائم الجنسية المتبادلة بينهم ، بينما ينشغل الناس بالتأفؤف من الازدحام ، يصيحُ احد الركاب : نازل ! 

فيقف السائق في منتصف الطريق قاطعاً المسير لكي يُنزله ، فيما يضغط سائقو السيارات الأخرى على المنبهات ليمتلئ الشارع بالضجيج ، وفاطمة تردد مع نفسها أبياتاً شعرية للسياب :

موتى تخاف من النشور

قالوا سنهرب ، ثم لاذوا بالقبور من القبور !  . 

بعدها قررت المشي الى الجامعة ليتسنّى لها الحضور مبكراً للمحاضرات ، وكان الاستاذ يشرح بصورةٍ رتيبة ومملة شيئاً في علم الفايروسات ، في حين  انشغلت بالتفكير بمواضيع اخرى . تسأل صديقتها وهي تضع يدها على خدها بصورةٍ توحي الى اقصى درجات الملل : 

- ليش محكومين بقوانين الناس اللي ما يعرفون يلتزمون بسرة الصمون ؟

تنظرُ زميلتها بعين الاستغراب لهذا السؤال المفاجئ ، وتجيب بسرعة ومن دون تفكير ، وهي محملقة العينين نحو الاستاذ:

- ما أعرف !

تُكمل محاضرتها وتعود إلى المنزل بالوتيرة نفسها ، المشادات اللفظية السوقية ، بين سائقي الباصات ، وتأفؤف الركاب . ما زالت تفكر في القيود التي تحكم المجتمع ، و تمقتُ النظرة التي يرى الناس فيها الأشياء من حولهم ، و كيفية بنائهم التصورات والمفاهيم ، فهذا المجتمع متناقض لدرجة أنك قد تدخل الى مركز التسوق من دون تفتيش لمجرد ارتدائك بدلة أنيقة فاخرة ، أو تسوق سيارة فارهة ،  أو غيرها من المظاهر . إن المجتمع الذي يحترم مثل هذه المظاهر البراقة ، سطحيٌّ لا أمل في خلاصه ، لأنك قد تكون عرضة للتنمر الفظيع بسبب لون بشرتك الداكن ، أو  لإصابتك بمرض  ، أو عاهة ظاهرة ، يحدث هذا لأنك ورثت تراثاً يصوَّر ابطال قصصنا دائماً ،  ببهاء الطلة ، وبياض الوجه ،  وزرقة العينين ، بينما نقيض البطل لن يكون إلا اسودَ ،  ومصاباً بالبرص ، وقصير القامة ، ولا أعرف لماذا لا يكون عتاة القتلة المجرمين ببشرة بيضاء ، وشعرٍ أشقر ، وعيون زرق  ، أسيمنع هذا من كونهم قتلة مجرمين ؟. 

تتنهد فاطمة في غرفتها ،  بعد التفكير المضني فتشعل سيجارة وتدخن ببطئ ، كأن كلماتها تتحجر على مدخل القصبة الهوائية . كانت الساعة تقترب من السادسة صباحاً ، الوقت الذي يفصل النهار عن الليل سيكون قمة التقاء مشاعر الشمس بالقمر ، وتتجه الاشياء فيه الى تجلًّ آخر ، حيث ذكرى حبيبها الذي تتلخص انجازاته في الحياة بوصفه " ذكراً "، تلك الكلمة التي ستعطيك الافضلية في شتى المجالات  ، بدءاً من الاسرة الى صندوق العشيرة ، وصولاً إلى تسنم المناصب الرفيعة كالقضاء مثلاً . تحاولُ فاطمة ان تثني صاحبها عن بعض مفاهيمه ، أو تبدليها ولكن لا جدوى من ذلك ، ستبقى عليها الطاعة ، ولو قال لها يوماً إن لون اللبن أسود ،  لقالت نعم  ! . 

حاولت أن تتناسى صورة حبيبها ، وافكاره نحوها ، ومشاكلهما المحتدمة ، فشغلت الموسيقى بصوتٍ عالٍ ، وبدأت ترقص وتغني ، فداهمها صوتٌ أخيها المجلجل وهو ينذرها بالويل والثبور ، إن لم تطعه :

- نصي الصوت شعدنا بيت دعارة ! 

- الدعارة عندكم بالموسيقى والرقص بس ؟! 

كان سؤالاً لا يُرّدُ عليه ، لكنها أُجبرت على اطفاء الموسيقى ليس خوفاً فحسب ، بلَّ لأنها لم تكن بالمزاج الذي يسمح لها أن تجادل .  مسكت ريشتها وتناولت ورقة بيضاء فرسمت في غضون ساعة لوحةً لإمرأة عجوز تمشي بعكازة على سطح البحر  !. 

أخرجت سيجارة أخرى فأشعلتها ،  وهي تدخن خفيةً وتتضاربُ الأفكار في رأسها ، حتى هبطت عليها ابيات من قصيدة للشاعر أمل دنقل يقول فيها : 

المجدُ للشيطان ... معبودْ الرياح 

من قالَ لا في وجهِ من قالوا نعم ! 

من علَّم الانسان تمزيق العدم 

من قال لا ولم يمت 

وظل روحاً ابدية الألم ... 

خففَّ عنها قليلاً ، فكانت ترى ابليس أول الثائرين ، وكان يمثلها في قول "لا" لأنها كانت تعاني من المقربين . 

فتحت دفتر مذكراتها وقرأت فيه بعض الاقتباسات والمواقف التي مرَّت في حياتها ، لاحظت كم هي في تغير مستمر ، كل شيء في حياتها قد طرأ عليه تغيير معين ،  إلا كآبتها التي حكمت عليها بالحزن الأبدي . كانت ترى إن الإنسان رسالةٌ وغاية ، وغايتها إحداث تغيير ما ، أو خلل في بُنية معينة ، ثورة ، ولكنها كانت تُصدَم بالجواب بعد أول جملة في النقاش مع صديقتها ، حبيبها ، اهلها ، جميعُ المقربين منها : أسكتي مو وكت لغوة ! 

أيُّ غربةً يعيشها الإنسان أكثر من غربته وهو بين أهله وفي وطنه ؟ كان ذلك ما يجعلها مكتئبة ومنكفئة ، فهي تحاولُ أن تكون اجتماعيةً بأي طريقة ، ولكن للخوف أماكن كثيرة يحتلها في ذهن الإنسان . وفي غَمرة إحدى ساعات الكآبة ، تَذكرَتْ أن لها صديقةً قديمة منذ أيام المدرسة تتشاركُ معها بعض الأفكار والرؤى ، فأتصلت بها ،  وكان الحديث مبتدئاً بالسلام  ،وذكرى المواقف الطريفة ، ثم إلى الشكوى والفضفضة من كليهما . شعرت ليندا "صديقتها القديمة" من كلام صاحبتها بأنها تعاني ازمة نفسية ، مع شعورٍ لم تعرف كنهه ، كأنه يقول لها صديقتك تفكر بالانتحار ، وخالجها الشعور نفسه من البؤس الذي تحس به فاطمة ،  نظراً لأنهما إناثُ في مجتمعٍ لا ينظر إليهن إلا كأنصافٍ اشياء ونواقص . حاولت فاطمة انهاء الحديث لولا أن صديقتها أرادت أن تسألها عن حالتها النفسية قائلة بكل براءة وبصوت منخفض :

- انتِ ضايجة من شي؟ 

- من كل شي... 

مع تنهيدة طويلة 

-زين ليش؟ 

-أحنا مو بشر هنا لندا ، واني ما احب أحد ينظر لي نظرة ناقصة ! 

نبرة النرفزة بدت واضحةٌ عليها ، فسألتها صاحبتها بنبرة ساخرة بعض الشيء : 

-والحل شنو ؟  ننتحر مثلاً ؟ 

- الانتحار ما يسويه بس الشجاع ، لأن مو اي شخص عنده الشجاعة حتى يقرر مصيره بالوقت اللي يعجبه... 

صدم هذا الجواب  ليندا ، وارادت أن تسأل ، ولكن سرعان ما استدركت فاطمة وحاولت الانسحاب بطريقة مهذبة دون أن تكشف لها  عن كل مشاعرها ، فشكرت صديقتها على حسن الاستماع ، والصدر الرحب الذي استقبلته بها ، وانهت المكالمة بصورةٍ تقليدية . 

وضَعت الهاتف جانباً وكتبت :

ولأننا نعيشُ في عصر الأزمات ، ولأن ما أعيشه ونساء مجتمعي الآن لا يتعدى كونه "أزمة شرف"، ولأنني خُلقتُ حرَّةً ، فلن أرضى أن استجدي ظل رَجُل ،  أياً كانت صفاته ، المهم أن يمتلك شارباً وعضواً ذكرياً  لكي يُخلصني من عاري ، وثقل سمعتي على أهلي إن صرت عانساً ، أو ثقل سمعتي اذا طلقني لمشاكساتي ، او اذا توفي وصرتُ ارملة ، ففي كل الأحول أنا امرأة لا يجب أن ارفع صوتي أو اقول "لا" حتى بيني وبين نفسي ، فأنا عورة ولن أعيش تحت القمع ، ولا املك القدرة على تغيير شيء ما. لذلك سأترك كل شيء ، حتى هذه الرسالة ، فكل شيءٍ ينظر إليَّ بعين النقص ، حان الوقت لكي أجعل من التراث والعادات اضحوكةً ،  الآن سأرقص مع دمي واكتب فيه آخر قصيدة عن معاناة الرجل! .

موسوعة ال قسام تستحق التعظيم / عباس عطيه البو غنيم
لقاءات حوارية تمد جسورا بين الشباب والقادة الديني

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأحد، 11 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الإثنين، 28 كانون1 2020
  357 زيارة

اخر التعليقات

زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...

مقالات ذات علاقة

جامع السعادات أو ابو السعادات كما أحب أن اسميه يفتتح محطة الأنس كل عيد لذا فهو و(الكليجة)
1871 زيارة 0 تعليقات
لاتهدأ الذكريات التي تهب مثل الريح على دغل القصب , وتنتفض كموج البحر على الصخور , فتتلمس ل
1804 زيارة 0 تعليقات
  مع صباح الخميس السابع من شباط الجاري ، ستستيقظ العاصمة العراقية..بغداد ، على وقع افتتاح
1720 زيارة 0 تعليقات
عن الألمانية: بشار الزبيدي من بين كل الفنون كان الشعر يتمتع بأعلى درجات التبجيل عند العرب.
1765 زيارة 2 تعليقات
شعر: *اليس ووكرترجمة: ابتسام ابراهيم الاسديعندما ظننتني فقيرة ،كان فقري مخزياًوسواد جلدنا
621 زيارة 0 تعليقات
للانوحتى في احلاميلا اشعرُ بالحرية ابداًمحاصرة بأناسٍ لا اعرفهميقفون على باب غرفتييحاصرون
517 زيارة 0 تعليقات
متابعة : خلود الحسناوي . بحضور نخبوي لفنانين وشعراء وادباء ورواد الثقافة والفن .. احتفى بي
4023 زيارة 1 تعليقات
النجف الأشرف/ عقيل غني جاحم أفتتح في محافظة النجف الأشرف المقر الجديد لدار البراق لثقافة ا
1469 زيارة 0 تعليقات
كان ذلك ظهر يوم الثلاثاء ، الواحد والعشرين من شهر مايس الجاري ، حين وصلت مبنى جريدة الزمان
1230 زيارة 0 تعليقات
رواية محبوكة بين الصدفة والتخطيط لتتشابه فيها الأقدار قبل الأسماء.رواية لو تركت لبطليها فق
459 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال