دول جنوب شرق آسيا التي تتكون معظم شعوبها من أعراق وثقافات وديانات مختلفة والمعروفة بانفتاحها وتسامحها الديني والثقافي، عانت بعض النزعات الدينية والعرقية المتطرفة خلال السنوات الماضية. فبينما يواجه الروهينجا الإرهاب والتفرقة العنصرية في ميانمار، ويرفض بعض المسلمون التجارة مع الهندوس في ماليزيا، وتحدث أعمال عنف بين المسلمين والهندوس وغيرهم من أتباع الأديان الأخرى في الهند، والفليبين، وتايلاند، تقوم اندونيسيا بتقديم أمل جديد ومثال يحتذى به لمجابهة التفرقة الدينية، وتامين حرية الاعتقاد، وتعزيز السلم الاجتماعي في ذلك الجزء من العالم والكثير من الدول التي تعاني من اضطرابات دينية ومذهبية.

اندونيسيا دولة مترامية الأطراف يبلغ عدد سكانها 260 مليون نسمة، 90% منهم من المسلمين، وتحتل المرتبة الرابعة بين دول العالم من حيث عدد السكان، وتعد أكبر أرخبيل بحري في العالم يضم 17508 جزيرة بمساحة تبلغ 1.904.000 كم مربع، وتتميز بتنوع اجتماعي وثقافي نتيجة لتعدديتها اللغوية والعرقية والدينية. فمواطنيها يتكونون من أكثر من 300 مجموعة عرقية، ويتكلمون 721 لغة إضافة للإندونيسية، اللغة الوطنية الرسمية للبلاد والمستخدمة في الاتصالات والدوائر الحكومية والتعليم العام والاعلام، لكن معظم السكان يستخدمون أيضا لغات مناطقهم المحلية في حياتهم اليومية.

وتتميز اندونيسيا أيضا بتنوعها الديني. فاستنادا إلى دستورها تعترف الدولة بستة أديان هي الإسلام، والمسيحية الكاثوليكية والمسيحية البروتستانتية، والهندوسية، والبوذية، والكونفوشيوسية، ويمارس حوالي 20 مليون اندونيسي بعض الأديان البدائية التي لا تعترف بها الدولة. واصدرت المحكمة الدستورية الاندونيسية العليا في عام 2019 قرارا يضمن الحماية القانونية للأديان، ويعزز المساواة والتعايش الاجتماعي السلمي البناء بين أتباعها. ولتنفيذ هذا القرار وجني ثمار تطبيقه، طرحت وزارة الشؤون الدينية الاندونيسية العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع للنقاش، ووضعت استراتيجية لتحقيق عدة اهداف من أهمها العمل على تطوير نوعية الخدمات العامة لجميع المجتمعات الدينية في البلاد، وتعزيز المساواة بين الأديان، وتحسين نوعية الحياة والممنارسات الدينية، وتطوير نوعية التعليم الديني، وتحديث إدارة التنمية الدينية.

ولهذا فإن قرار المحكمة الدستورية الذي يضمن حماية التعددية الدينية، وجهود وزارة الشؤون الدينية الاندونيسية التي تهدف إلى تطوير الفقه الديني وتسخيره في خدمة الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع، لا تخدم اندونيسيا ودول جنوب شرق آسيا فقط؛ بل يمكن اعتبارها نموذجا للإصلاح والتعددية الدينية، لأنها قد تخدم أيضا معظم دول العالم الاسلامي التي تحتاج لقوانين وإجراءات مشابهة توظف الخطاب والقيم الدينية في تطوير العلم والثقافة، وتعزز الوئام والتعاون بين مكونات المجتمع، وتكون عوامل توحيد وبناء تساهم في منع حدوث نزاعات عقائدية تثير الفتن، وتعرض البلاد والعباد للقتل والدمار كما حدث ويحدث في العديد من الدول العربية والإسلامية!