الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 704 كلمة )

لا عاصم / عبد الرازق أحمد الشاعر

في قرية غير آمنة، لا يأتيها رزقها إلا لماما ولا يعيش أهلها إلا على الكفاف، تجاور متسولان على رصيف الحاجة: أما أحدهما فكان كسيحا طريح العجز، وأما الآخر، فكان فاقد البصر. لم تجمع بين رفيقي الرصيف إلا الأكف المفرودة والدعوات المحفوظة لأصحاب المنة والفضل. لكن أحدهما لم يكن يحب الآخر، ولم يكن في صدر الآخر مثقال ذرة من ود لأحدهما. ومرت أيام التسول كسيحة بليدة. يبدأ اليوم ببسط الحصير ومد فراش مهترئ لا يسمن ولا يغني من برد، لينتهي بعد الدريهمات القليلة التي تتسرب من بين أيدي المارة بصعوبة بالغة. وفي طريق العودة إلى علبتي الصفيح اللتين تأويهما، أو بالأحرى تواريهما، يقف الشحاذان أمام نفس الحانوت ليبتاعا خبزا جافا وقطعة من الجبن تبلغهما بالكاد يوم مشقة جديد. اعتاد الرجلان برودة الرصيف كما اعتاد أهل القرية سماع نداءاتهما المتوسلة كل صباح. ولم يفكر أي منهما في البحث عن رصيف آخر، رغم كثرة الأرصفة. ومرت شهور البرد، دون أن يتخلى أحدهما عن بلادته أو موقع بؤسه. ولم يكن الربيع ولا الصيف ولا الخريف أكثر لطفا أو توددا من الشتاء. بل كانت الفصول تتناوب تعذيبهما كل على طريقته. حتى جاء صباح لم تغرد فيه العصافير فوق رأسيهما كالمعتاد، ولم تتواصل توسلاتهما رغم كثرة المارين بهما. امتدت ألسنة اللهب ذات غفلة من بيت إلى بيت، ووزعت الريح غضبها على كل المنازل والمزارع بالتساوي، فكان لكل منزل من منازل البلدة نصيبه من الدمار والهلاك. وخرج أهل القرية الآمنة من بيوتهم يتصايحون، وكادوا من فرط هلعهم يطأون الرجلين بأقدامهم العارية. وظل الرجلان يتقاسمان نظرات الرعب والمصير المجهول. وبعد أن علا صوت الأخشاب التي كانت تحترق حولهما في صمت وتسقط في غضب، أدرك الرجلان أن لا مفر من الموت. كيف يفر الأعمى من نيران أتت على كل أخضر، وقضت على كل يابس، وكيف يلتمس طريقه في غابة تتشابك فيها الأغصان وتكثر الفخاخ؟ لو أنه كان يستطيع التفريق بين لون ولون، أو بين طريق وطريق! لكنه لم ير طوال سني بؤسه الفائتة إلا الأسود القاتم. ها هو الحر يقترب من جلده اليابس، وها هو اللهب يتربص بثيابه المتآكله وبساطه التعس. أما الكسيح فقد نظر إلى ساقيه نظرة انكسار، وظل يحدق في الأقدام وهي تتراكض في محيط عجزه، فينقل بصره من وجه حزين إلى وجه كئيب إلى منزل محترق. لم يدرك صاحبنا عظم مصيبته إلا عندما أحس بلفح النيران وهي تقترب من فراشه البالي وهو لا يملك لها صرفا ولا دفعا. وظل يحدق في ألسنة اللهب وهي تتقدم نحوه في تربص وتنمر. بالطبع تنتظر مني أن أقول بأن عهدا جديدا من الترابط والأخوة قد دفع رفيقي العجز إلى التآخي ونسيان الثارات القديمة. تنتظر أن يحمل الأعمى الكسيح فوق كتفيه، ليمسك الآخر بأذنيه ويوجهه إلى طريق الخلاص، فينجوان معا. لكن هذه النهاية لا تليق إلا بأفلام الأبيض والأسود يا صديقي. لقد تقدمت بنا الحضارة كثيرا وتعقدت إلى أبعد حد، ولم تعد هذه النهايات المفرطة في السذاجة والمنطق تقنع أحدا. الحقيقة أن أحدا لم يحمل أحدا. يمكنك الآن أن تشعر بالبؤس وأن تتخيل النيران وهي تتراقص في شغف أمام الجفون مغمضة وساقين غير مكتملين، وعقلين تخليا عن جسديهما في لحظة رعب خاطفة. لا ملجأ من البؤس أيها الفارون من حمم الطاعون إلى جبال التمني، ولا عاصم من الشهقات والحشرجة أيها النائمون فوق أسرة العناية. لا تبحثوا أيها الناظرون في أعين الأطباء عن عاصم من أمر الله، ولا تفتشوا في المساجد والكنائس والبيع والصلوات أيها الفارون من حلم الله عن ترياق يواري عجزكم. لن تمنحكم رشفات الأكسجين المعبأ عمرا فوق أعماركم أيها المشرفون على اليأس، ولن تصلح ما أفسده المرض في رئاتكم المعطوبة. فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. أكاد أرى بعيني بصيرتي نوحا ينادي ولده الذي احتمى بخلق الله من غضب الله، وتمرد على سفينة الرب، فكان مصيره الغرق المحتوم. أكاد أرى إبليس وهو يرفع رأسه في أنفة وكبرياء، رافضا أن يتخلى عن تمرده في مواجهة الغضب الإلهي الشديد، ليقول مشيحا بوجهه عن آدم ومشيرا إليه، "أنا خير منه." فكان أن طرده الله من رحمته وإلى الأبد. أيها الجالسون فوق أرصفة هذا العالم الباردة، لا سبيل إلى النجاة من طوفان المرض إلا بسفينة التوبة، ولن تنفعكم أرحامكم ولا أمصالكم ولا معاملكم ومختبراتكم حتى تعودوا أذلاء خانعين لرب خلعتم نير طاعته تمردا وظننتم أن جبال العلم وبروجه المشيدة قادرة على حماية صدوركم الضيقة من غزو المرض وشهقات الموت. والله لا عاصم اليوم من أمر الله إلا بتوبة نصوح وأوبة صادقة، وإلا جرت علينا سنة الاستبدال، وحاق بنا ما كنا به نستهزئ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
عبد الرازق أحمد الشاعر

شعبويو اليوم .والعهر السياسي ؟ / محمد سعد عبد اللط
نامي جياع الشعب نامي / عبد الخالق الفلاح

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 05 آذار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - أبو وقاص الاثارة في الزيارة السيد والبابا / سامي جواد كاظم
05 آذار 2021
الكفر ملة واحدة..البابا الصليبي والسيد الصفوي وجهان لعملة واحدة. " إِن...
زائر - GREAT ILLUMINATI ORDER المنبر الحسيني بين الطموح والتقاعس / الشيخ عبد الحافظ البغدادي
02 آذار 2021
تحية من النظام العظيم للإنليوميناتي إلى الولايات المتحدة وجميع أنحاء ا...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...

مقالات ذات علاقة

أرَقٌ... وجُرحُ الأمسياتِ يعودُناومرارُ قَهوَتِنا يُطاعِنُ غُربَةًمِن أينَ تُستَسقى الجَسا
4455 زيارة 0 تعليقات
للشاعرة: ماري إليزابيث فرأيترجمة:فوزية موسى غانملا تقفِ على قبري وتبكٍانا لست هناك ، انا ل
4746 زيارة 0 تعليقات
اقام المركز العلمي العراقي ندوة بالتعاون مع كلية العلوم الاسلامية وبعنوان " التغيرات الخاص
5194 زيارة 1 تعليقات
الى: رمز الحرية(موسى بن جعفر) ابالغ بالخطى والخطى لا ينجليازورك واللقاء لا يكتفياطرق
4646 زيارة 0 تعليقات
مثل ورقة غارحط اسمك على كفيإيهاب شفرة تلك التي فتحتقلب النعناع لقلبك إيهاب ماظن قاتلك هجع
4955 زيارة 0 تعليقات
يسند أحمد ظهره المتعب إلى قاعدة عمود نور..مصباحه مشنوق ..لا يضيء سوى نفسه، يبحر في طلاسم (
5104 زيارة 0 تعليقات
إنها هي ، نعم هي .رايتها في ظل الكهف الخرافي ، في تلك المغارة العجيبة ،التي أبدع الخالق بت
4096 زيارة 0 تعليقات
يفتش عن الحياة صباحاً تعبت قدماه من السير ودق الابواب .. جلس على الرصيف منهكاً يتطلع للبيت
4196 زيارة 0 تعليقات
يعتبر الملا جحا من أروع وأشهر الشخصيات الفكاهية الساخرة في دنيا الشرق الأوسط. روى حكاياته
4488 زيارة 0 تعليقات
ناءت روحي بثقل الاغتراب من نكون نحن تفوح رائحة العفن في كل مكان دم هابيل مازال ينزف قابيل
4046 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال