الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 828 كلمة )

البؤس خيار استراتيجي / عبد الرازق أحمد الشاعر

 لا يمكنك أن تختار غرفة ولادتك ولا كفّي القابلة ولا لون القماط ولا حجم الصدر الذي سيرضعك. وأبدا لن تتمكن من اختيار لون بشرة والدك ولا دخله الشهري ولا المنزل الذي ستقضي فيه سنوات طفولتك. ويقينا، لن تستطيع أن ترفض بؤس طفولتك أو رقة حال أسرتك أو فقر الجوار أو قسوة الوالدين والرفاق. لكنك حين تكبر، سيكون باستطاعتك أن تراوغ بؤسك لتصنع من خيوطه الملتفة حول معصميك شالا تتدفأ به في ليالي واقعك الباردة، أو أن تحكم تلافيفه حول خصرك وساعديك، حتى تصل إلى عنقك وتموت اختناقا دون أن تجد من يترحم عليك أو يسير في جنازتك.
فوق نفس الموقد، وفي نفس الوعاء، نشأ أونوريه دي بلزاك وعبد الحميد الديب. لم يجد المبدعان وجها يبتسم لقدومهما، ولا يدا تحنو على طفولتهما البائسة. ومن رحم المعاناة والفقر تخرج مبدعان قل أن تجود الحياة بمثلهما، سقط أحدهما في حجر أسرة ريفية بإحدى ضواحي باريس؛ أما الآخر، فقد حل وهنا على وهن على أسرة كشميشية فقيرة بمحافظة المنوفية بمصر. لكن بعد المشرقين بين المعذبين لم يمنعهما من تقاسم وجبة البؤس على جانبي الخارطة. بيد أن تعامل المبدعَين مع واقعهما المزري كان مختلفا تماما، مما كان له أعظم الأثر على نتاجهما الفكري وأثرهما الأدبي، وفي هذا المقال سأحاول أن أتتبع مسار بؤسهما لأظهر كيف نجا الأول مما سقط فيه الآخر، ودور كل منهما فيما آل إليه مصيره.
في أسرة لم ترحب أبدا بقدومه، حل أونوريه دي بلزاك ضيفا على هذا العالم في العشرين من مايو عام 1799. وفور ولادته، أسلمته أمه لحاضنة بليدة أربع سنوات كاملة، وحين أتم السادسة، أرسلته إلى مدرسة داخلية حتى لا تتحمل عبء تربيته. وقد كتب بلزاك بمرارة عن قسوة والدته يقول،"لم أحظ بأم أبدا." لكن قسوة والدته لم تكن حكرا عليه وحده، فقد عانت أختاه من قسوة الأم ما عانى وأكثر. هكذا، وجد بلزاك مبررا منطقيا للهروب من بركة طفولة قذرة إلى مستنقع شباب لم يكن أقل كدرا.
لم يستقر بلزاك الشاب في مكان بسبب عدم قدرته على الوفاء بديونه، فكان يتنقل من مكان إلى مكان ترعبه الطرقة، ويخيفه وقع الأقدام، حتى استقر في شقة تحت اسم مستعار، لا يزوره فيها أصدقاؤه إلا خفية ولا يسمح لهم بالدخول إلا بكلمة سر اتفقوا عليها فيما بينهم. لكنه استطاع رغم ضيق حاله ومرارة واقعه أن يجلس إلى طاولة الكتابة من الثانية عشرة ليلا حتى الثامنة صباحا، ليخصص ربع الساعة لتناول الفطور، ثم يكمل الكتابة حتى الخامسة بعد الظهر، فيتناول طعام العشاء وينام حتى صباح اليوم التالي.
وهكذا، تحول بلزاك من شاب يطارده الدائنون إلى رائد للواقعية في الأدب الأوروبي، وأديبا يشار إليه بالبنان بعد أن خلف أكثر من أربع وتسعين مؤلفا خالدا أثرى بهم حياة البشرية كلها، وبعد أن رسم بانوراما تاريخية لفرنسا في القرن التاسع عشر عبر تجسيده 2500 شخصية اجتماعية مختلفة في "الكوميديا الإنسانية". ومن الطريف أن أحد الناشرين قد تحمس لنشر كوميديا بلزاك مقابل 3000 فرانك، لكنه عندما وصل إلى الحي الذي يقيم فيه، اعتقد أن كاتبا يقيم في حي فقير كهذا لا يستحق أكثر من 2000 فرانك. وحين صعد إلى الطابق السادس، قرر أن يعطيه ألف فرانك فقط. وحين دخل شقته، ونظر إلى أثاثه ومتاعه، أعطاه 300 فرانك فقط دون أن يعترض بلزاك، الذي اعتقد أنه مبلغا مجزيا وقتها.
ننتقل الآن إلى كشميش، حيث ولد عبد الحميد الديب في يوليو عام 1898 لوالدين يعرفان الفقر أبا عن جد، ويخلصان للبؤس واقعا وخيالا. كان أقصى ما يطمح إليه الأب أن يرسل عبد الحميد إلى الأزهر ليصبح شيخ عامود هناك. ومن المنوفية إلى الإسكندرية انتقل العبقري الصغير، لكن الفقر لازمه هنا أيضا، ولم يستطع الفكاك من بؤس خلده في قصائد تفيض حزنا ومرارة في المدينة الثغر. وبعد إنهاء دراسته بمعهد الإسكندرية، انتقل الديب إلى القاهرة ليلتحق بكلية دار العلوم حتى يستفيد من مكافأتها الشهرية ليعيل نفسه بعد أن رحل والداه.
لكن عبد الحميد الذي لم يألف الجد يوما، ولم يعرف الاجتهاد أبدا، لم يكمل طريقا بدأه، ولم يجد في نفسه الرغبة في إكمال دراسته حتى، فخرج للتسكع من مقهى إلى حانة ليجالس الأدباء والصعاليك ويكتب شعرا يشكو فيه حظه العاثر وظلم الدهر وقسوة الحياة، ويقارن نفسه بالأنبياء رغم ذلك، حتى أسعده الحظ بلقاء سيد درويش الذي رأى فيه شاعرا ملهما مغمورا يستحق الدعم والرعاية. لكن سقفه الدرويشي سرعان ما انهار بموت الرجل، ليعود صاحبنا إلى المقاهي والبارات مبعثرا وقته وجهده فوق الأرائك والأسرة وليكتب أشعارا لم يكمل معظمها. صحيح أن الرجل قد تبرأ من المخدر بعدما ذاقه من تجارب مريرة داخل ممرات السجن وأروقة مستشفى الأمراض العقلية، لكن توبة صاحبنا لم تعد على الأدب بشيء يذكر، فظل تأثيره هامشيا، ولو أنه جلس إلى طاولة الكتابة كما جلس بلزاك لما ترك لنا إرثا هزيلا كالذي ترك، ولكانت بصمته فوق بساط الشعر على مر الأجيال أشد وأعمق.
بؤس الواقع ليس مبررا أبدا للقعود يا صديقي، فالحياة لا تعطي أحدا مجدا بالمجان، ولا توزع أنواط المجد بالتساوي على من يلصق فخذيه بطاولة الكتابة سبع عشرة ساعة كل اليوم، ومن يتنقل بين الحانات والمقاهي والملاهي والمراقص ليوزع ثمرات عمره على المخمورين والراقصات والصعاليك. ترى، هل الفرق بين بلزاك والديب مجرد فرق بين شخصيتين أم هو فرق شاسع بين ثقافتين؟ وهل كان من حق الديب أن يصيح متمردا:
شكوت وما شكواي ضعف وذلة فلست بمستجد ولا طالبا يدا
ولكنني أفحمت ظلما بمنطق من الدهر لم تبلغ غباوته مدى؟

عبد الرازق أحمد الشاعر

ما كل ما يتمنى المرء يُدركه / عدنان عبد النبي البل
تحقيق صحفي اثار ضجة قبل 63 عاما / محسن حسين

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 12 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...

مقالات ذات علاقة

في عام 2005 أكمل المشرعون في العراق صياغة مسودة الدستور النافذ في هذا البلد. وعلى الرغم من
3737 زيارة 0 تعليقات
** أن وضع خطوط حمراء في حياتنا ليست قيوداً وإنما ضوابط مطلوبة لإكمال شكل ومضمون الاحترام.
6212 زيارة 0 تعليقات
لأنه معتاد على نفس تلك الأوراق وذاك القلم فلم يحتاج إلا توقيعا ..بحبره الاسودا قرار حيك به
6142 زيارة 0 تعليقات
بدأت يوم جديد مملوء بالأحزان .. بحثت عن أضيق ملابس وإرتديتها .. ووضعت مساحيق التحميل لأول
7120 زيارة 0 تعليقات
لوحة لم تكتمل بعد   (كتبت عندما تم تفجير وزارة العدل وسبقتها وزارة الخارجية في نفس المنطقة
5861 زيارة 0 تعليقات
الطاغي لَمْلِمْ شِرَاعَكَ أيُّهَا الطَّاغي وارْحَل فانَّ الغَضَبَ نارٌ أسْعَر خَيَالُكَ ال
2495 زيارة 0 تعليقات
من كان همه قطعة أرض جرداء مهجورة مساحتها (200 م) كانت قيمته أن يراجع دوائر الدولة ويقدم ال
7660 زيارة 0 تعليقات
أجرت الحوار //ميمي قدريدرة من درر الأدب العربي ... ناهد السيد الصحفية والكاتبة التي اختزلت
5513 زيارة 0 تعليقات
شكراً.. لطوق الياسمين وضحكت لي.. وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين يأتي به رجل إليك ظننت
5747 زيارة 0 تعليقات
منذ الخليقة والكل يسعى شعوراً منه الى توفير فرص العيش لتأمين ديمومة الوجود بالتعايش مع الآ
5503 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال