الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 739 كلمة )

صورة الناقة في الشعر الجاهلي / مصطفى حمزة

إن الشعر في طبيعته وليدُ البيئة, متأثرٌّ بها ومؤثِّرٌ فيها بالأخص ذلك الشعر الذي لا تشوبه الكثير من المفاهيم والثقافات، قريباً للنزعة التجريدية البدائية للإنسان. في تراثنا العربي نرى ذلك جليًّا في الشعر الجاهلي لصفاء النفس والحياة وتأثر الشعراء في بيئتهم البدوية حتى أن اكثرهم تحضراً وسفراً تراه يحنُّ الى ربعه أو مضارب عشيرته كما تحنُّ الناقة على ابنها واستثني من هذا الامر الشعراء الصعاليك. إن علاقة الناقة بالشاعر تمرُّ بعدة مراحل, ففي بدايتها إن الناقة هي صديقة الانسان البدوي قبل أن يكون شاعراً, بل هي إحدى رموز الفروسية عنده, و سفينة الصحراء التي يمخرون بها عبابها باحثين عن مورد مياه, أو مكان فيه من الكلأ والطعام ما يكفي الانسان والانعام حاجته، فالطبيعة البدوية غير مستقرةٍ, ميّالةٌ للتنقل وهذا ما انعكس ايضاً في نفسية شعرائنا فتراهم ينتقلون من بقعة الى اخرى, ومن مضمون الى اخر في داخل النص, بل أن  شكل حياتهم قد يختلف بصورة كبيرة إذا قرأناه وقارنّاه فيما سبق. الشاعر والناقة تربطهما علاقة عدم استقرار, فإذا كان الشعر هو أداة التعبير عن نفس الشاعر وما يدور في وجدانه من مشاعر متدفقة ولحظات انفعال, فالناقة هي الجزء الثاني من شخصية الشاعر الجاهلي واداته في التعبير عن تمرده وعدم استقراره, ونرى أن الشعراء لم يبخلوا في وصفها والتغزل بها, فأعشى قيس يقول فيها في لاميته التي امتدح فيها اخا النعمان بن المنذر (الأسود بن المنذر) ومطلعها: 

ما بكاء الكبير بالاطلالِ 

وسؤالي فهل تردُّ سؤالي 

فيصف ناقته وهي مرقلة فوق الاحجار: 

تقطعُّ الأمعز المكوكب وخداً 

بنواجٍ سريعة الإيغالِ 

وفي كافيته التي يمدح فيها هوذة بن علي الحنفي يقول: 

بادماء حرجوج بريت سنامها 

بسيري عليها بعدما كان تامكا 

فالادماء الحرجوج هي الناقة البيضاء الطويلة الجسيمة. وكذا الحال مع الملك الضليل امرئ القيس, ذلك الشاعر الذي تجوّل في أراضي الله بحثاً عن مستقرٍّ لذاته الشاعرة التي لم تعرف الاستقرار, وطالباً ثأر ابيه فيما بعد، كان كثير الترّحل وإني لأسى على حال ناقته وحصانه مما لاقياه من تمرد هذا الملك الذي صار صعلوكا الا نصف. فيذكر في بائيته الشهيرة التي مطلعها: 

خليليَّ مُرَّا بي على ام جندبِ 

نُقضَّ لُبانات الفؤاد المعذبِ 

فيبدأ وصف ناقته من البيت السادس عشر وهو قوله: 

بأدماء حرجوج كأن قتودها 

على أبلق الكشحين ليس بمغربِ 

فالقتود هي أداة الرحل وابلق الكشحين من شدة بياض الخاصرة وهو يصفُ بذلك ناقته بحمار الوحش. وكانت ناقة الشاعر المخضرم لبيد بن ربيعة لها نصيب من المدح والوصف كما كان لنوّار كذلك, ففي معلقته الخالدة التي مطلعها: 

عفتُ الديار محلها فمقامها 

بمنى تأبد غولها فرجامها 

بدأ وصف ناقته من البيت الثاني والعشرين حيث يقول: 

بطليح أسفار تركن بقية 

منها فاحنق صلبها وسنامها 

وإذا تغالى لحمها وتحسّرت 

وتقطعّت بعد الكلال خِدامُها 

 يعلو بها حُدبَ الإكامُ مُسجَّحٌ 

قد رابهُ عصيانها ووحامها 

  

ولكن كل هذه الناقات تنظر بعين الحسد والغيرة الى ناقة طرفة بن العبد ليس لأنها بيضاء أو حمراء من نوق النعمان, بل لأن صاحبها كان طرفة بن العبد الذي قال فيها لوحدها ما يزيد عن اربعين بيتاً من جميل الوصف وخالده في معلقته الشهيرة التي مطلعها: 

لخولة أطلال ببرقة ثهمدِ 

تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليدِ 

وجاء وصف الناقة في معانٍ شتى, ونراه أنه قد تغنى بوصفها اكثر من ذكرها كونها الناقة/الاداة, بل هي مصدر للفخر والاعتزاز له, فقال: 

على مثلها أمضي إذا قال صاحبي 

ألا ليت افديك منها وافتدي 

وإني لأُمضي الهم عند احتضاره 

بعوجاء مرقالٍ تروحُ وتغتدي 

أمونٍ كألواح الإران نصأتها 

على لاحبٍ كأنه ظهر برجدِ 

فناقته التي يمضي بها الهمَّ كان عرضها كألواح التابوت, موثقة الخلق يضربها بالعصى على طريق مخطط يشبه الكساء. 

ويردف واصفاً ضخامة جسمها وعظمتها فيشببها بالجمل لوثاقة خلقه,  ولكنها في نفس الوقت سريعة لا تُبارى من اقرانها عدّاءةً كالنعامة, وساعة تراه يشبه فخذيها كمصرعي باب قصر فيقول: 

جماليةٌ وجناء تردي كأنها 

سفنجة تبري لأزعر أربدِ 

تباري عتاقاً ناجيات وأتبعت 

وظيفاً وظيفاً فوق مور معبد 

لها فخذان أُكمل النحضُّ فيهما 

كأنهما بابا منيف ممردِ 

وهكذا يمضي في وصف ناقته من أرجلها حتى رأسها الذي قال فيه بيتاً "لم يقل مثله احد" على حد قول الاصمعي: 

وجمجمة مثل العلاة كأنما 

وعى المتلقى منها الى حرف مبردِ 

فهذه الجمجمة التي تشبه السندان في الصلابة يصفُ انضمام طرفها الى حدَّ العظم الذي يشبه المبرد في الحدة، والمتلقى هو موضع الالتقاء وهو طرف الجمجمة لأنه يلتقي بالرأس. لم يترك طرفة بن العبد شيئاً في الناقة الا ووصفه, وهذا ما يجعل العلاقة بينه وبين ناقته ليست أكثر من علاقة شاعر بأداته التي تنتقل به الى عوالم اخرى ينوي استكشافها بدافع الفضول وعنفوان الشاعر فحسب, بل هو يعاملها كصديق وخليل. 

مما لا شكَّ فيه, إن الشاعر من يمتلك عيناً لها نظرة مغايرة لأقرانه, والشعر الجاهلي عموماً كانت عماده الرؤية والتبصر واندفاع المشاعر بصورة قل نظيرها في الشعر العربي, فكان شعراً عبقرياً ولهذا كُتِبَ له الخلود. 

ماذا أقولُ / الهام زكي خابط
جولة رمضانية بصحبة نجيب محفوظ / زيد الحلي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 07 أيار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الخميس، 15 نيسان 2021
  166 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Aaron Perez حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
02 أيار 2021
لقد كان من الرائع معرفة أن هناك شخصًا ما يعرف عن السقوط والوقوف من جدي...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...

مقالات ذات علاقة

تزمَّلَ رأسي ترواده النبوةملأ الخوفُ زوايا المكان فيا أيها الْمُزَّمِّل ايها العقل المقدس 
11 زيارة 0 تعليقات
لا أستطيع أن أنسى، يكفي أرجوك لا تطلب مني أن أراك، أحدثك، او أقترب منك... لا تحاسبني على ذ
69 زيارة 0 تعليقات
في القدس ثورةنائمة كالطفلةالصغيرة فينافي عيوننا هيأكبر من الحقيقةولأنها القدستسكننا وحدناو
95 زيارة 0 تعليقات
لشهر رمضان مكانة خاصة في تراث و تاريخ المسلمين ، فيه بدأ نزول القرآن إلى الدنيا، كان ذلك ف
96 زيارة 0 تعليقات
1.قرأت الكتاب بتاريخ: الجمعة 22 جمادى الثّاني 1442 هـ الموافق لـ 2 فيفري 2021، وأنهيت قراء
99 زيارة 0 تعليقات
تمهيد " الثقة في النعمة. لا شيء مستحق لي. أنا لا أتوقع أي شيء لنفسي. أنا لا أطلب شيئًا ...
101 زيارة 0 تعليقات
كن ساجدا بقلبك ، وإن رفعت رفعت رأسك قل بنبضاتك سبحان ربى الأعلى ،وإن كنت ضاحك الثغر . أهمس
102 زيارة 0 تعليقات
 هو العراقيُ ذُو عزَّةِ نَفْسٍ ؤحَمِيَّةٍ وصاحبُ نَخْوَة يَنهضُ مِن عُمقِ التَاريخ بأ
103 زيارة 0 تعليقات
خيالج من عبر...............خبلتي العقول. وكف كلشي بحياتي.........تفرمت البال. اصوم اسنين..
105 زيارة 0 تعليقات
صوت الحرمان يملأ جراح الظلام الشوق يدني وجهك الجميل بلا أوهام لا أدري من أيقظ الإحساس أسرى
105 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال