من غريب كامو إلى غريب عيسى / عبد الرازق أحمد الشاعر - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

اخبار أوروبا
دخول المدونة

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة السر *
احفظ لي كلمة السر
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

من غريب كامو إلى غريب عيسى / عبد الرازق أحمد الشاعر

حين تضعك الظروف فوق تلة بين سهل وصحراء، عليك أن تتعالى فوق انتماء العرق وعصبية القبيلة. وإذا حكمت بين المتخاصمين، فاحكم بما أوتيت من فهم ووعي وحكمة، ولا تكن مجرد أداة طيعة في يد أحدهم حتى لا تصبح فردا من قطيع وإن كان منتصرا. لا ترتد في نفس الاتجاه مهما كانت قوة الدفع أو أبجدية السقوط. فكر قليلا قبل أن تحرك رأسك ذات اليمين وذات الشمال، ولا ترفع ذقنك إلى أعلى ثم تتركها تسقط في بلاهة كدمية شدت من أنفها لتؤدي دورا تافها في مسرحية تافهة. ربما أراد ألبير كامو أن يقول كل هذا في قصته المدهشة "الضيف"، ولعله لم يقصد شيئا من ذلك.

تجري أحداث القصة في الجزائر، في منطقة تماس بين خضراء المحتل وصفراء العرب. حيث يصعد تلة قديمة حصان فتي، يحمل فوق ظهره جنديا فرنسيا، ويجر وراءه عربيا مقيدا بالحبال. وفوق التلة، يقف دارو، المعلم الفرنسي الذي جاء مع المحتل دونما رغبة منه، ليراقب الضيف الثقيل قبل أن يعود لترتيب أثاث غرفته الملحقة بالمدرسة. وحين يصل الرجلان، ينهض دارو لاستقبالهما في فتور، ويصافح بالدوشي شرطي الدرك الفرنسي، ويكتفي بهز رأسه للعربي الأسير، ثم يصطحب الحصان إلى معلف قريب.

يلخص بالدوشي حكاية أسيره، بأنه جز عنق أحد أبناء قبيلته، وأن مهمته تقتضي تسليمه لدارو الذي سيقوم بدوره بتسليمه لقسم الشرطة في طنجة التي تبعد عدة كيلومترات في اتجاه الشرق. لكن المعلم دارو يفاجئ الشرطي الضيف بأنه لن يفعل ذلك حتى وإن كلفه الرفض حياته. يصمم بالدوشي على تسليم رهينته، ويجبر دارو على توقيع إيصال بالاستلام، ثم يغادر مسرعا لأن ثمة انتفاضة على وشك الاندلاع، وأن عليهم قمعها قبل فوات الأوان.

يعد دارو العشاء والسرير لضيفه الثقيل، ثم ينام ويدير ظهره له، وهو يتمنى من أعماقه أن يفر العربي في جنح الليل دون أن يزعجه. لكنه يتململ أكثر من مرة في فراشه، ليرى الرجل راقدا في فراشه، شاخصا ببصره نحو السماء، فيلعن حظه التعس الذي ألقاه في أتون حرب لا ناقة له فيها ولا حصان. وفجأة، يئز سرير العربي، فيفتح دارو عينيه، ليراقب ضيفه يتحرك خلسة ليضع قدميه الغليظتين فوق أرضية الغرفة. يبتهج دارو وهو يرى العربي يفتح باب الغرفة في هدوء ويغادر. لكن خيبة الأمل تعود مع العربي بعد قليل لتحط في الفراش تارة أخرى حتى الصباح.

توقظ الشمس دارو، فيلتفت ليرى العربي يغط في نوم غليظ. يعد دارو الطعام بنفسه، بينما يراقبه ضيفه في توجس. وبعد أن يتناول الرجلان إفطارهما، ينطلقان نحو الجنوب. وبعد عدة كيلومترات، تدب أقدامهما فوق مفترق طرق، فيشير دارو نحو الشرق ويقول للعربي: "بعد ساعتين في هذا الاتجاه، تصل طنجة، حيث قسم الشرطة، وستجدهم في انتظارك هناك. أما إن قررت أن تتجه جنوبا، فسترى بعد مسيرة يوم واحد خيام بدو سيحسنون استقبالك. عليك أن تختار." ثم يمد دارو يده بصرة فيها تمر وسكر وخبز تكفي العربي يومين كاملين، ويدس في يده ألف فرانك، ويدير ظهره وينصرف. وبعد خطوات، يدير الفرنسي المعلم ظهره نحو أسيره المحرر، فيجده جامدا في مكانه ينظر نحوه. ينهره دارو ويمضي في طريقه، ثم يختلس نظرة أخرى نحو العربي، فيجده قد اتخذ قراره نحو قسم الشرطة.

يعود دارو إلى مدرسته فوق الرابية في انتظار عقاب وشيك، ويدخل الفصل الذي ضمه وضيفيه الثقيلين ليقرأ رسالة على اللوح من أهل العربي المحرر: "سلمت ولدنا، فلتنتظر العقاب." يعود دارو إلى التلة حيث بدأ المشهد الأول، فينظر تارة نحو الصحراء، وأخرى نحو السهل الأخضر، وأخيرة نحو السماء ويتنهد عميقا. أخيرا، يدرك دارو أنه وحيد جدا.

القرار الوحيد الذي لم يستطع دارو اتخاذه أن يظل دون قرار. لم يتخيل الرجل نفسه مجرد أداة لتنفيذ رغبة المحتل، ليجر عربيا قتل عربيا نحو سجن غير عربي. ما شأنه بهذا كله على أي حال؟ هو المعلم الذي أرادوا له التخلي عن منطق الأشياء ليمارس منطق المحتل فوق بلاد لا تشبهه. فليذهب المحتلون إلى الجحيم، وكذلك المتقاتلون باسم الحمق. لم يحاول دارو تقصي أسباب القتل، ما شأنه إن قتل زيد عمرو، أو أصاب سهم الحقد عين هابيل!

أما العربي الذي جاء اختياره مخيبا للتوقعات، والذي كان بوسعه أن يطلق ساقيه للريح هربا من عينين نصف مغمضتين بعد أن انفتح باب الحرية على مصراعيه أمامه، فهو أعظم إدهاشا وطرافة. لماذا آثر العودة في انتظار الترحيل؟ ولماذا اختار الشرق ولم يكلف قدميه المتورمتين عناء الذهاب إلى الحرية؟ لماذا اختار أن يأكل ما في الصرة حتى يصل إلى مخفر المحتل حاسر الرأس خفيض الذنب؟ هل كان كامو يقرأ أسفار الغيب حين رأى العربي يرفض كل خيارات الحرية في انتظار السحل، أم أنها عادة عربية أصيلة أدركها كامو وغيره منذ عقود من القهر؟

تحتاج "غريب" كامو إلى القراءة مرات ومرات حتى نفهم قناعاته كلها، أو نهدم كل ما توصلنا إليه من تأويلات، سيما بعدما ألقى إبراهيم عيسى ب"غريب" آخر في دور السينما ليشغل الرأي العام بأطروحاته الجريئة التي نختلف حولها كثيرا ونجتمع على مشاهدتها رغم ذلك. في هذا الزمان الغريب، يبدو أننا على موعد مع الغرباء الذين يتحدثون بلغتنا وغير لغتنا ليعيدوا ترتيب منطق الأشياء في مساحة خلت من المنطق فترة تمتد من غريب كامو إلى غريب عيسى.

والدان مع سبق الإصرار ..! / عبد الرازق أحمد الشاع
قرابين ليست للرب / عبد الرازق أحمد الشاعر

مواضيع ذات صلة

 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الخميس، 23 أيار 2019

مقالات ذات علاقة

10 حزيران 2017
يروي ما نقل لنا من تاريخنا, أن العرب وصلوا مرحلة من التراجع, الأخلاقي والإجتماعي, خلال فتر
3116 زيارة 0 تعليقات
02 حزيران 2017
يذهب البعض الى ان  مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية هي مؤتمرات رتيبة تعبر عن الترف ال
3299 زيارة 0 تعليقات
اطفال يتلكمون الفصحى (ماتموتين احسن الك ) لايخفى للمتتبع للعالم الذي يحيط بنا ما للقنوات ا
3232 زيارة 0 تعليقات
01 حزيران 2017
فوجئنا خلال الأيام القليلة الماضية بخبر اندلاع النيران في مبني صندوق التأمين الاجتماعي لقط
3068 زيارة 0 تعليقات
10 حزيران 2017
من المفارقات العجيبة التي تحصل في العالم الإسلامي ان كل الفرق والطوائف الإسلامية تدعي التو
3127 زيارة 0 تعليقات
10 حزيران 2017
كانت وما تزال ام المؤمنين خديجة (عليها السلام ) من النساء القلائل التي شهد التاريخ لهن بال
3273 زيارة 0 تعليقات
استقبال العام الجديد بنفسية جيدة وبطاقة إيجابية امر مهم، والبعد قدر الإمكان عن نمط التفكير
3925 زيارة 0 تعليقات
16 أيار 2017
عش كل يوم في حياتك وكأنه آخر أيامك، فأحد الأيام سيكون كذلك".   ما تقدم من كلام ي
3188 زيارة 0 تعليقات
عن طريق الصدفة- وللصدفة أثرها- عثرت على تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي، للسيد احمد حمد
3784 زيارة 0 تعليقات
10 كانون2 2017
دستوريا يجوز الغاء مجالس الاقضية والنواحي وتعيين قضاة في مجلس مفوضية الانتخابات وتقليص عدد
4898 زيارة 0 تعليقات

اخر الاعضاء المسجلين في الشبكة

ميس القناوي
1 مشاركة
داليا أياد
1 مشاركة
د. نهى بلال
1 مشاركة
جيهان رافع
1 مشاركة
عائشة الرشيد
1 مشاركة

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

: - عزيز الخزرجي ألصّدر لمْ يُعدم مرّةً واحدة! / عزيز حميد الخزرجي
16 أيار 2019
و يا حبذا لو يتمّ حذفها - حذف الكلمات التأبينية (المعنية) من قبل المشر...
: - عزيز الخزرجي ألصّدر لمْ يُعدم مرّةً واحدة! / عزيز حميد الخزرجي
16 أيار 2019
شكرا لجميع القراء .. و أحبّ أن أذكركم بأن الأبيات الأخيرة التي وردت ف...
: - tayfor1975 في إِستذكار مُحَقِقْ ( طَبَقات الصُوفية ) / طه جزاع
14 أيار 2019
جزاكم الله خيرًا على إحياء اسم هذا العَلَم الكبير من أعلام التحقيق وال...
شبكة الاعلام في الدانمارك وفد شبكة الاعلام في الدنمارك .. يلتقي امل مسعود نائب مدير اذاعة مصر العربية .. وشخصيات اخرى
08 نيسان 2019
زيارة وفد شبكة الاعلام في الدنمارك المتمثلة بالزميلين المبدعين اسعد كا...
شبكة الاعلام في الدانمارك وسـقط الضميــر(( مسرحية من فصل واحد )) / حامد حمودي عباس
10 آذار 2019
الاعزاء في شبكة الاعلام في الدنمارك مع فائق الاحترام تحية طيبة كان بو...

مدونات الكتاب

جواد العطار
25 تشرين2 2016
لا يخفى ان زوبعة جريدة الشرق الاوسط التي اطلقتها قبل اسبوع بتقرير مهلهل عن العراق وعلى صحف
انا اليوم اقف عند بابك سيدي ..فهل تأذن لي بذلك ؟فانا ابحث عن موقع يقربني منك ..فلربما يطول
د.يوسف السعيدي
23 تموز 2016
من لهذا القلب الذي يقطع الليل في أنين...وزفرات....بانتظار ساعة واحده من ساعات الكهرباء...و
اليوم في العيادة جاء شباب قلقين يتعاتبون فيما بينهم همسا دافعين صاحبهم  وهو متمددا  على ال
كاظم العبودي
11 كانون2 2014
الى الغائب الحاضر دائماً .... الى روح والدي رحمه اللهماردت القدر يبعدني عنك يومومـاردت الس
هيام محى الدين
09 نيسان 2014
للمرة الأولى في التاريخ المصري، يذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية ف
سامي جواد كاظم
18 تشرين1 2016
البطولات العالمي لاسيما كاس العالم لكرة القدم والاولمبياد تتسابق الدول المتمكنة الى تنظيمه
عندما كتبتُ مقالي السابق"مَنْ يفقئ عَين الأسد؟" كنتُ أنتظر إجابةً من أي أحد، ليزيح بعض الغ
ادريس الحمداني
20 نيسان 2019
منذ ريعان شبابه  وبعد تخرجه من كلية القانون   استخدم ادوات الدراسة الاكاديم
مديحة الربيعي
10 تشرين1 2016
المصلح العظيم ربيب النبوة يطبق كل مبادئ رسل السماء, السلام والرحمة, وأحترام الانسان, بل حت

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال

شبكة الاعلام في الدانمارك تستخدم ملفات تعريف ارتباط لتحسين الخدمة وجودة أداء موقعنا ومكوناتنا الإضافية لجهاز الكمبيوتر الخاص بك ، أو جهازك الجوال. لتفعيل هذه الخاصية اضغط أوافق
أوافق